عندما يبدأ طفل التوحد برنامجًا علاجيًا أو تدريبيًا، يكون أحد أكثر الأسئلة التي تشغل الأسرة:
هل الخطة العلاجية التي يتلقاها طفلي ناجحة فعلًا؟
قد يمر الطفل بعدد كبير من الجلسات، وقد يتعلم بعض المهارات داخل غرفة التدريب، لكن عدد الجلسات وحده
لا يخبرنا إن كانت الخطة تحقق أهدافها.
نجاح الخطة يظهر عندما نرى تقدمًا يمكن ملاحظته وقياسه ويؤثر بصورة إيجابية في حياة الطفل اليومية؛
مثل أن يصبح أكثر قدرة على طلب احتياجاته، أو التواصل مع الآخرين، أو الاعتماد على نفسه،
أو التعامل بصورة أفضل مع المواقف اليومية.
لكن كيف نقيس هذا التقدم؟ ومتى يكون بطء التقدم طبيعيًا؟ ومتى نحتاج إلى مراجعة الخطة وتعديلها؟
هذا ما سنتعرف عليه بالتفصيل.
ما المقصود بالخطة العلاجية لطفل التوحد؟
الخطة العلاجية هي مجموعة من الأهداف الفردية التي يتم اختيارها بناءً على احتياجات الطفل ومستواه الحالي
ونقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى دعم.
لذلك لا يفترض أن تكون هناك خطة واحدة مناسبة لجميع أطفال التوحد.
قد تكون الأولوية لطفل هي التواصل وطلب الاحتياجات، بينما يحتاج طفل آخر إلى التركيز على الاستقلالية،
أو اللعب، أو المهارات الاجتماعية، أو تنظيم بعض السلوكيات التي تؤثر في حياته اليومية.
ولمعرفة المزيد عن موضوع اقرئي : كيف يصبح طفل التوحد أكثر استقلالية ؟ .
البداية الصحيحة: تحديد مستوى الطفل قبل وضع الأهداف :
حتى نستطيع معرفة هل تقدم الطفل أم لا، نحتاج أولًا إلى معرفة من أين بدأ.
وهذا ما يسمى غالبًا بخط الأساس؛ أي مستوى أداء الطفل للمهارة قبل بدء التدخل.
على سبيل المثال، إذا كان الهدف تعليم الطفل طلب الماء، فمن المهم معرفة كيف كان يطلب الماء قبل التدريب:
هل يبكي؟ هل يأخذ يد الأم؟ هل يشير؟ هل يستخدم صورة؟ هل يقول كلمة؟
بعد فترة من التدريب نقارن الأداء الجديد بخط الأساس.
وهنا يصبح التقدم شيئًا يمكن ملاحظته وقياسه، وليس مجرد انطباع بأن الطفل «أصبح أفضل».
كيف نعرف أن الطفل يحقق تقدمًا حقيقيًا؟
التقدم لا يعني فقط أن الطفل أصبح ينفذ النشاط أثناء الجلسة.
هناك عدة مؤشرات مهمة، منها:
• زيادة استقلالية الطفل وتقليل حاجته إلى المساعدة.
• استخدام المهارة مع أكثر من شخص.
• استخدام المهارة في مواقف مختلفة.
• تحسن قدرة الطفل على التواصل والتعبير عن احتياجاته.
• ظهور المهارة بصورة أكثر ثباتًا.
• انخفاض السلوكيات التي تعيق التعلم عندما يتم التعامل مع أسبابها بشكل مناسب.
• انتقال المهارات التي يتعلمها الطفل إلى حياته اليومية.
فإذا تعلم الطفل مثلًا طلب احتياجه أثناء الجلسة، ثم بدأ يستخدم الطريقة نفسها مع أسرته وفي المدرسة،
فهذه علامة مهمة على أن المهارة أصبحت أكثر وظيفية.
لمعرفة المزيد اقرئي : كيف نعلم طفل التوحد طلب احتياجاته ؟ خطوات عملية لتنمية التواصل .
هل كثرة الأهداف تعني أن الخطة أفضل؟
ليس بالضرورة.
وجود عشرات الأهداف في الخطة لا يعني أنها أكثر نجاحًا.
الأهم هو اختيار أهداف مهمة وواقعية ومناسبة لاحتياجات الطفل.
في بعض المراحل قد يكون تعليم الطفل وسيلة واضحة للتواصل أهم من تدريبه على عدد كبير من المهارات الأكاديمية.
وفي مرحلة أخرى قد تكون الأولوية للاستقلالية أو مهارات الحياة اليومية.
الخطة الجيدة لا تسأل فقط: ما المهارات التي يستطيع الطفل تعلمها؟
بل تسأل أيضًا:
ما المهارة التي ستحدث فرقًا حقيقيًا في حياته الآن؟
البيانات جزء أساسي من معرفة نجاح الخطة :
الملاحظة مهمة، لكن الاعتماد على الانطباع وحده قد لا يكون كافيًا.
لذلك تُستخدم البيانات لمتابعة أداء الطفل عبر الوقت.
فإذا كان الطفل يستطيع تنفيذ مهارة معينة في محاولتين من عشر محاولات، ثم أصبح بعد فترة
يؤديها في سبع أو ثماني محاولات باستقلالية أكبر، فلدينا مؤشر أوضح على حدوث تقدم.
وتساعد البيانات الفريق على اتخاذ قرار: هل نستمر بالطريقة نفسها؟ هل يحتاج الطفل إلى مساعدة مختلفة؟
هل الهدف أصبح سهلًا؟ أم أن هناك عائقًا يحتاج إلى معالجة؟
هل يجب أن يكون تقدم الطفل سريعًا؟
لا ، الأطفال يختلفون بصورة كبيرة في سرعة التعلم والاستجابة للتدخل.
قد يكتسب طفل مهارة معينة خلال فترة قصيرة، بينما يحتاج طفل آخر إلى وقت أطول وتكرار أكثر.
لذلك من الخطأ مقارنة تقدم طفل التوحد بطفل آخر.
الأفضل مقارنة الطفل بنفسه وبمستواه السابق.
السؤال الأهم ليس:
«لماذا لم يصبح مثل الطفل الآخر؟»
بل: «ما الذي أصبح يستطيع فعله الآن ولم يكن يستطيع فعله سابقًا؟»
ماذا لو أتقن الطفل المهارة داخل الجلسة فقط؟
هذه نقطة مهمة جدًا.
إتقان المهارة أمام الأخصائي لا يعني دائمًا أن الطفل أصبح قادرًا على استخدامها في حياته اليومية.
إذا كان الطفل يطلب أثناء الجلسة ولكنه لا يطلب في المنزل، أو ينتظر مع الأخصائي ولكنه
لا يستطيع الانتظار مع أسرته، فنحتاج إلى العمل على استخدام المهارة في أشخاص وأماكن ومواقف مختلفة.
لمعرفة المزيد يمكنك قراءة : تعميم المهارات عند طفل التوحد .
ما علامات أن الخطة قد تحتاج إلى مراجعة؟
عدم تحقيق هدف بسرعة لا يعني مباشرة أن الخطة فاشلة، لكن توجد حالات تستحق المراجعة، مثل
استمرار الهدف لفترة مناسبة دون تقدم واضح، أو اعتماد الطفل المستمر على المساعدة دون انخفاضها تدريجيًا،
أو إتقان مهارات داخل الجلسة دون استخدامها وظيفيًا، أو أن تصبح بعض الأهداف غير مناسبة لاحتياجات الطفل الحالية.
عندها لا يكون الحل بالضرورة زيادة الضغط على الطفل ، قد نحتاج إلى مراجعة الهدف نفسه، وطريقة التعليم،
ونوع المساعدة، والمعززات، والبيئة، والمتطلبات الموضوعة أمام الطفل.
هل السلوك الصعب يعني أن الخطة غير ناجحة؟
ليس بالضرورة ، قد تظهر بعض السلوكيات لأسباب متعددة، مثل صعوبة التواصل، أو الهروب من مهمة صعبة
أو الوصول إلى شيء يريده الطفل، أو البحث عن نوع معين من التحفيز، وغيرها ، لذلك التركيز على إيقاف السلوك
فقط دون فهم وظيفته قد لا يحل المشكلة الأساسية.
الهدف هو فهم لماذا يحدث السلوك وماذا يحاول الطفل تحقيقه من خلاله، ثم تعليمه بدائل مناسبة قدر الإمكان.
وللمزيد عن هذا الموضوع اقرئي : سلوكيات طفل التوحد : 7 أخطاء قد تزيد السلوك الغير مرغوب وكيف التعامل معها .
ما دور الأسرة في نجاح الخطة؟
دور الأسرة أساسي.
فالطفل لا يعيش داخل غرفة الجلسة فقط، ولذلك فإن المهارات المهمة تحتاج إلى فرص طبيعية لممارستها في الحياة اليومية.
لكن هذا لا يعني تحويل المنزل إلى جلسة علاجية طوال اليوم ، يمكن للأسرة دعم الطفل أثناء الروتين الطبيعي: وقت الطعام،
ارتداء الملابس، اللعب، الخروج، الاستحمام، الانتظار أو طلب الأشياء التي يحتاجها.
كلما كان هناك تواصل واضح بين الأسرة والفريق، أصبح من الأسهل معرفة ما ينجح مع الطفل وما يحتاج إلى تعديل.
متى نراجع الأهداف العلاجية؟
يجب مراجعة الأهداف بصورة دورية وفق البرنامج وحالة الطفل.
قد نجد أن الطفل أتقن هدفًا وأصبح جاهزًا للانتقال إلى مستوى أعلى، أو أن هدفًا آخر يحتاج إلى تقسيمه
إلى خطوات أصغر ، وأحيانًا تتغير الأولويات نفسها.
فقد يصبح التواصل الوظيفي أو الاستقلالية أو التعامل مع سلوك يؤثر في سلامة الطفل أكثر
أهمية من هدف كان موضوعًا سابقًا ، الخطة الجيدة ليست خطة ثابتة؛ بل خطة تستجيب لتقدم الطفل واحتياجاته .
كيف تبدو الخطة العلاجية الجيدة ؟
الخطة الجيدة تكون فردية وواضحة وقابلة للقياس، وتضع الأولويات بحسب احتياجات الطفل،
وتتابع التقدم بالبيانات والملاحظة، وتراجع الأهداف عند الحاجة، وتركز على مهارات لها قيمة حقيقية في حياة الطفل.
والأهم أنها لا تتعامل مع الطفل على أنه مجموعة من السلوكيات التي يجب تغييرها،
بل تنظر إلى احتياجاته وقدراته وتواصله واستقلاليته وجودة حياته بصورة متكاملة.
لمعرفة التفاصيل المهم اقرئي : ماذا يحدث في أول جلسة علاجية لطفل التوحد؟
متى يجب على الأسرة أن تسأل عن تعديل الخطة؟
من حق الأسرة أن تفهم أهداف البرنامج وكيف يتم قياس تقدم الطفل.
ومن الأسئلة المفيدة التي يمكن طرحها على الفريق:
ما الهدف الذي نعمل عليه الآن؟ كيف تم اختياره؟ كيف تقيسون التقدم؟ ما مستوى الطفل عند بداية الهدف؟
هل يستخدم المهارة خارج الجلسة؟ وما الذي يمكننا فعله في المنزل لدعمها؟
وجود إجابات واضحة عن هذه الأسئلة يساعد الأسرة على أن تكون شريكًا فعالًا في البرنامج.
الخلاصة :
نجاح الخطة العلاجية لطفل التوحد لا يُقاس بعدد الجلسات التي حضرها، ولا بعدد الأنشطة التي أكملها داخل
غرفة التدريب ، المعيار الأهم هو التقدم الفردي والوظيفي الذي ينعكس على حياة الطفل.
قد تكون خطوة صغيرة مثل أن يطلب الطفل المساعدة بدل البكاء، أو ينتظر لبضع ثوانٍ،
أو يرتدي جزءًا من ملابسه باستقلالية، إنجازًا مهمًا يستحق البناء عليه.
لذلك لا تقارني رحلة طفلك برحلة طفل آخر.
قارني تقدمه اليوم بنقطة بدايته، واجعلي الهدف دائمًا أن تصبح المهارات التي يتعلمها أكثر فائدة له في حياته اليومية.
كل تقدم صغير قابل للبناء عليه هو خطوة نحو استقلال أكبر وجودة حياة أفضل للطفل وأسرته .
